الشيخ محمد رضا المظفر
139
أصول الفقه
على العلم بها مطلقا ، فضلا عن تقييدها بالعلم الناشئ من سبب خاص . وهذه الاستحالة ثابتة حتى لو قلنا بإمكان نفي حجية القطع ، لما قلناه من لزوم الخلف ، كما شرحناه هناك . وأما ما ورد عن آل البيت ( عليهم السلام ) من نحو قولهم : " إن دين الله لا يصاب بالعقول " ( 1 ) فقد ورد في قباله مثل قولهم : " إن لله على الناس حجتين : حجة ظاهرة وحجة باطنة ، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة ( عليهم السلام ) وأما الباطنة فالعقول " ( 2 ) . والحل لهذا التعارض الظاهري بين الطائفتين ، هو : أن المقصود من الطائفة الأولى بيان عدم استقلال العقل في إدراك الأحكام ومداركها ، في قبال الاعتماد على القياس والاستحسان ، لأ نهى واردة في هذا المقام ، أي أن الأحكام ومدارك الأحكام لا تصاب بالعقول بالاستقلال . وهو حق كما شرحناه سابقا . ومن المعلوم أن مقصود من يعتمد على الاستحسان في بعض صوره هو دعوى أن للعقل أن يدرك الأحكام مستقلا ويدرك ملاكاتها . ومقصود من يعتمد على القياس هو دعوى أن للعقل أن يدرك ملاكات الأحكام في المقيس عليه لاستنتاج الحكم في المقيس . وهذا معنى " الاجتهاد بالرأي " . وقد سبق أن هذه الإدراكات ليست من وظيفة العقل النظري ولا العقل العملي ، لأن هذه أمور لا تصاب إلا من طريق السماع من مبلغ الأحكام . وعليه فهذه الطائفة من الأخبار لا مانع من الأخذ بها على ظواهرها ، لأ نهى واردة في مقام معارضة " الاجتهاد بالرأي " ولكنها أجنبية عما نحن بصدده وعما نقوله في القضايا العقلية التي يتوصل بها إلى الحكم الشرعي .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 2 ص 303 . راجع كتاب العقل من أصول الكافي ، وهو أول كتبه [ ج 1 ص . 16 ] .